المبسوط

Раздел: فقه الحنفي

  • المقدمة

    وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم (قال الشيخ) الإمام الأجل الزاهد شمس الأئمة أبو بكر محمد بن أبي سهل السرخسي رحمه الله ونور ضريحه وهو في الحبس بأوزجندَ إملاءً (الحمد) لله بارىء النسم. ومحيي الرمم ومجزل القسم. مبدع البدائع. وشارع الشرائع. ديناً رضياً. ونوراً مضياً. لتكليف المحجوجين. ووعد المؤتمرين. ووأد المعتدين. بينة للعالمين. على لسان سيد المرسلين. وإمام المتقين. خاتم النبيين. سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى جميع الأنبياء والمرسلين (وبعد) فإن أقوى الفرائض بعد الإيمان بالله تعالى طلبُ العلم كما جاء في الحديث عن النبي أنه قال: «طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة» والعلم ميراث النبوة كما جاء في الحديث «أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لم يورثوا ديناراً ولا درهماً وإنما ورثوا العلم فمن أخذ به أخذ بحظ وافر» .

    والعلم علمان علم التوحيد والصفات وعلم الفقه والشرائع. فالأصل في علم التوحيد التمسك بالكتاب والسنة ومجانبة الهوى والبدعة كما كان عليه الصحابة والتابعون والسلف الصالحون رضوان الله عليهم أجمعين الذين أخفاهم التراب، وآثارهم بتصانيفهم باقية في هذا الباب. وقد عزمت على جمع أقاويلهم في تأليف هذا الكتاب تذكرة لأولى الألباب. وأما علم الفقه والشرائع فهو الخير الكثير كما قال الله عز وجل: {ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً} (البقرة: 269) قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه: الحكمة معرفة الأحكام من الحلال والحرام. وقد ندب الله تعالى إلى ذلك بقوله تعالى: {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون} (التوبة: 122) فقد جعل ولاية الإنذار والدعوة للفقهاء، وهذه درجة الأنبياء، تركوها ميراثاً للعلماء كما قال عليه الصلاة والسلام: «العلماء ورثة الأنبياء» . وبعد انقطاع النبوة. هذه الدرجةُ أعلى النهاية في القوة وهو معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام «من يرد الله به خيراً يفقهه

    123...9

  • في الدين» وقال عليه الصلاة والسلام: «خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا» ولهذا اشتغل به أعلام الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم (وأول) من فرع فيه وألف وصنف سراج الأمة أبو حنيفة رحمة الله عليه بتوفيق من الله عز وجل خصه به واتفاق من أصحاب اجتمعوا له كأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم بن خنيس الأنصاري رحمه الله تعالى المقدم في علم الأخبار. والحسن بن زياد اللؤلؤي المقدم في السؤال والتفريع، وزفر بن الهذيل رحمه الله ابن قيس بن سليم بن مكمل بن ذهل بن ذؤيب بن جذيمة بن عمرو المقدم في القياس، ومحمد بن الحسن الشيباني رحمه الله تعالى المقدم في الفطنة وعلم الإعراب والنحو والحساب. هذا مع أنه ولد في عهد الصحابة رضوان الله عليهم ولقي منهم جماعة كأنس ابن مالك وعامر بن الطفيل وعبدالله بن خبر الزبيدي رضوان الله عليهم أجمعين. ونشأ في زمن التابعين رحمهم الله وتفقه وأفتى معهم وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «خير القرون قرني الذين أنا فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يفشوا الكذب حتى يشهد الرجل قبل أن يستشهد ويحلف قبل أن يستحلف» . فمن فرّع ودوّن العلم في زمن شهد رسول الله لأهله بالخير والصدق كان مصيباً مقدَّماً، كيف وقد أقر له الخصوم بذلك حتى قال الشافعي رضي الله عنه: الناس كلهم عيال على أبي حنيفة رحمه الله في الفقه (وبلغ) ابن سريج رحمه الله وكان مقدّماً من أصحاب الشافعي رحمه الله في أنّ رجلاً يقع في أبي حنيفة رحمه الله فدعاه وقال يا هذا أتقع في رجل سلّم له جميع الأمة ثلاثة أرباعِ العلمِ وهو لا يسلم لهم الربع قال: وكيف ذلك؟ قال: الفقه سؤال وجواب وهو الذي تفرد بوضع الأسئلة فسلم له نصف العلم ثم أجاب عن الكل وخصومه لا يقولون إنه أخطأ في الكل فإذا جعلت ما وافقوه مقابلاً بما خالفوه فيه سلم له ثلاثة أربع العلم وبقي الربع بينه وبين سائر الناس فتاب الرجل عن مقالته.

    ومن فرغ نفسه لتصنيف ما فرعه أبو حنيفة رحمه الله محمدُ بن الحسن الشيباني رحمه الله فإنه جمع المبسوط لترغيب المتعلمين والتيسير عليهم ببسط الألفاظ وتكرار المسائل في الكتب ليحفظوها شاءوا أو أبوا إلى أن رأى الحاكم الشهيد أبو الفضل محمد بن أحمد المروزي رحمه الله إعراضاً من بعض المتعلمين عن قراءة المبسوط لبسطٍ في الألفاظ وتكرار في المسائل فرأى الصواب في تأليف المختصر بذكر معاني كتب محمد بن الحسن رحمه الله المبسوطة فيه وحذف المكرر من مسائلة ترغيباً للمقتبسين. ونعم ما صنع.

    1234...9

  • (قال الشيخ الإمام) رحمه الله تعالى ثم إني رأيت في زماني بعض الإعراض عن الفقه من الطالبين لأسباب:

    فمنها: قصور الهمم لبعضهم حتى اكتفوا بالخلافيات من المسائل الطوال.

    ومنها: ترك النصيحة من بعض المدرسين بالتطويل عليهم بالنكات الطردية التي لا فقه تحتها.

    ومنها: تطويل بعض المتكلمين بذكر ألفاظ الفلاسفة في شرح معاني الفقه وخلط حدود كلامهم بها (فرأيت) الصواب في تأليف شرح المختصر لا أزيد على المعنى المؤثر في بيان كل مسئلة اكتفاءً بما هو المعتمد في كل باب، وقد انضم إلى ذلك سؤال بعض الخواص من أصحابي زمن حبسي، حين ساعدوني لأُنسي، أن أملي عليهم ذلك أجبتهم إليه (وأسأل) الله تعالى التوفيق للصواب، والعصمة عن الخطأ وما يوجب العقاب، وأن يجعل ما نويت فيما أمليت سبباً لخلاصي في الدنيا ونجاتي في الآخرة إنه قريب مجيب.

    12345...9

  • كتاب الصلاة

    لأن الصلاة من أقوى الأركان بعد الإيمان بالله تعالى قال الله تعالى: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة} (التوبة: 5) وقال عليه الصلاة والسلام «الصلاة عماد الدين» ، فمن أراد نصب خيمة بدأ بنصب العماد، والصلاة من أعلى معالم الدين ما خلت عنها شريعة المرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وقد سمعت شيخناً الإمام الأستاذ شمس الأئمة الحلواني رحمه الله تعالى يقول في تأويل قوله تعالى: {وأقم الصلاة لذكري} (طه: 14). أي لأني ذكرتها في كل كتاب منزل على لسان كل نبي مرسل وفي قوله عز وجل: {ماسلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين} (المدثر: 42) ما يدل على وكادتها، فحين وقعت بها البداية، دل على أنها في القوة بأعلى النهاية، وفي اسم الصلاة ما يدل على أنها ثانية الإيمان فالمصلي في اللغة هو التالي للسابق في الخيل قال القائل:

    فولا بُدَّ لِي مِنْ أَكُونَ مُصَلِّياً

    إذا كُنْتُ أرضَى أَنْ يَكُونَ لك السَّبْقُ

    وفي رواية. أما كُنْتَ أَكُونَ مُصَلَّياً.

    والصلاة في اللغة عبارة عن الدعاء والثناء قال الله تعالى: {وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم} (التوبة: 103) أي دعاءك وقال القائل:

    وقابلها الريح في دنها

    وصلى على دنها وارتسم

    أي دعا وأثنى على دنها.

    وفي الشريعة عبارة عن أركان مخصوصة كان فيها الدعاء أو لم يكن

     

    1...23456...9

  • رسول الله فلينظر إلى وضوئي هذا، واختلفت الروايات في حديثه في المسح بالرأس فروي ثلاثا وروي مرة، فبهذه الآثار أخذ علماؤنا رحمهم الله وقالوا الأفضل أن يتمضمض ثلاثاً ثم يستنشق ثلاثاً (وقال) الشافعي رضي الله عنه الأفضل أن يتمضمض ويستنشق بكف واحد، وله تأويلان عندنا:

    أحدهما: أنه لم يستعن في المضمضة والاستنشاق باليدين كما فعل في غسل الوجه.

    والثاني: أنه فعلهما باليد اليمنى فيكون رداً على قول من يقول يستعمل في الاستنشاق اليد اليسرى لأن الأنف موضع الأذى كموضع الاستنجاء.

    قال (ثم يغسل وجهه ثلاثاً) وحد الوجه من قصاص الشعر إلى أسفل الذقن إلى الأذنين لأن الوجه اسم لما يواجه الناظر إليه غير أن إدخال الماء في العينين ليس بشرط لأن العين شحم لا يقبل الماء وفيه حرج أيضاً فمن تكلف له من الصحابة رضوان الله عليهم كف بصره في آخر عمره كابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم، والرجل الأمرد والملتحي والمرأة في ذلك سواء إلا في رواية عن أبي يوسف رحمه الله قال في حق الملتحي لا يلزمه إيصال الماء إلى البياض الذي بين العذار وبين شحمة الأذن هذه العبارة أصح فإن الشيخ الإمام رحمه الله جعل العذار اسماً لذلك البياض وليس كذلك بل العذر اسم لموضع نبات الشعر وهو غير البياض الذي بين الأذن ومنبت الشعر، قال: لأن البشرة التي نبت عليها الشعر لا يجب إيصال الماء إليها فما هو أبعد أولى لكن الصحيح من المذهب أنه يجب إمرار الماء على ذلك الموضع لأن الموضع الذي نبت عليه الشعر قد استتر بالشعر فانتقل الفرض منه إلى ظاهر الشعر فأما العذر الذي لم ينبت عليه الشعر فالأمرد والملتحي فيه سواءٌ ويجب إيصال الماء إليه بصفة الغسل وإنه لا يحصل إلا بتسييل الماء عليه.

    وقد روي عن أبي يوسف رحمه الله أن في المغسولات إذا بله بالماء سقط به الفرض وهذا فاسد لأنه حد المسح فأما الغسل فهو تسييل الماء على العين وإزاله الدرن عن العين قال القائل:

    فياحسنها إذْ يغسلِ الدمعُ كَحلَها

    وإذْ هي تذري دمعها بالأنامل

    (ثم يغسل ذراعيه ثلاثاً ثلاثاً) وإنما لم يقل يديه لأنه في الابتداء قد غسل يديه ثلاثاً وإنما بقي غسل الذراعين إلى المرفقين والمرفق يدخل في فرض الغسل عندنا وكذلك الكعبان.

    وقال زفر رحمه الله لا يدخل لأنه غاية في كتاب الله تعالى والغاية حد فلا يدخل تحت

    1...34567...9

  • المحدود اعتباراً بالممسوحات واستدلالاً بقوله تعالى: {ثم أتموا الصيام إلى الليل} (البقرة: 187) والذي يروى أن النبي غسل المرافق فمحمول على إكمال السنة دون إقامة الفرض.

    ولنا: أن من الغايات ما يدخل ويكون حرف إلى فيه بمعنى مع قال الله تعالى: {ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم} (النساء: 2) أي مع أموالكم فكان هذا مجملاً في كتاب الله بينه رسول الله بفعله فإنه توضأ وأدار الماء على مرافقه ولم ينقل عنه ترك غسل المرافق في شيءٍ من الوضوء فلو كان ذلك جائزاً لفعله مرة تعليماً للجواز.

    ثم إن الأصل أن ذكر الغاية متى كان لمد الحكم إلى موضع الغاية لم يدخل فيه الغاية كما في الصوم فإنه لو قال: «ثم أتموا الصيام» اقتضى صوم ساعة ومتى كان ذكرُ الغاية لإخراج ما وراء الغاية فإنه لو قال: «وأيديكم» اقتضى غسل اليدين إلى الآباط كما فهمت الصحابة رضوان الله عليهم ذلك في آية التيمم في الابتداء فذكر الغاية لإخراج ما وراء الغاية فيبقى المرفق داخلاً (ثم يمسح برأسه وأذنيه مرة واحدة) وتمام السنة في أن يستوعب جميع الرأس بالمسح كما رواه عبدالله بن زيد. أن النبي مسح رأسه بيديه كلتيهما أقبل بهما وأدبر» والبداية على ما ذكره هشام عن محمد من الهامة إلى الجبين ثم منه إلى القفا.

    والذي عليه عامة العلماء رحمهم الله البداية من مقدم الرأس كما في المغسولات البداية من أول العضو.

    والمسنون في المسح مرة واحدة بماء واحد عندنا وفي المجرد عن أبي حنيفة رحمه الله ثلاث مرات بماء واحد (وقال) الشافعي رضي الله تعالى عنه السنة أن يمسح ثلاثاً يأخذ لكل مرة ماءً جديداً وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة رحمهما الله ذكره في شرح المجرد لابن شجاع رحمه الله ووجهه الحديث المشهور «أن النبيّ توضأ ثلاثاً ثلاثاً ثم قال هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي» فينصرف هذا اللفظ إلى الممسوح والمغسول جميعاً، ولأنه ركن هو أصل في الطهارة بالماء فيكون التكرار فيه مسنوناً كالمغسولاتِ بخلاف المسح بالخف فإنه ليس بأصلٍ وبخلاف التيمم فإنه ليس بطهارة بالماء ويلحقه الحرج في تكرار استعمال التراب من حيث تلويث الوجه وذلك الحرج معدوم في الطهارة بالماء.

    (ولنا) حديث البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه فإنه قال لأصحابه في مرضه: إني مفارقكم عن قريبٍ أفلا أعلمكم وضوءَ رسول الله فقالوا: نعم فتوضأ ومسح برأسه وأذنيه مرة واحدة.

    1...456789

  • وإنما كان ينقل في مثل هذه الحالة ما واظب عليه رسول الله ، ثم هذا ممسوح في الطهارة فلا يكون التكرار فيه مسنوناً كالمسح بالخف والتيمم، وتأثيره أن الاستيعاب في الممسوح بالماء ليس بفرضٍ حتى يجوز الاكتفاء بمسح بعض الرأس، وبالمرة الواحدة مع الاستيعاب يحصل إقامة السنة والفريضةِ فلا حاجة إلى التكرار بخلاف المغسولات، فإن الاستيعاب فيها فرض فلا بد من التكرار ليحصل به إقامة السنة ومعنى الحرج متحقق هاهنا ففي تكرار بلّ الرأس بالماء إفساد العمامة ولهذا اكتفي في الرأس بالمسح عن الغسل.

    ووجه رواية المجرد: حديث الربيع بنت معوذ بن عفراء أن النبي توضأ ومسح برأسه وأذنيه ثلاث مرات بماء واحد ، والكلام في مسح الأذنين مع الرأس يأتي بيانه في موضعه من الكتاب.

    قال (ثم يغسل رجليه إلى الكعبين ثلاثاً ثلاثاً) ومن الناس من قال وظيفة الطهارة في الرجل المسح.

    وقال الحسن البصري رحمه الله المضرور يتخير بين المسح والغسل.

    وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نزل القرآن بغسلين ومسحين يريد به القراءة بالكسر في قوله تعالى: {وأرجلكم إلى الكعبين} فإنه معطوفٌ على الرأس وكذلك القراءة بالنصب عطف على الرأس من حيث المحل فإن الرأس محله من الإعراب النصب وإنما صار مخفوضاً بدخول حرفِ الجرّ وهو كقول القائل:

    معاوى اننا بشر فأسجح

    فلسنا بالجبال ولا الحديدا

    (ولنا) أن النبي واظب على غسل الرجلين وبه أمر من علمه الوضوء ورأى رجلاً يلوح عقبه فقال: ويل للأعقاب من النار ، وفي رواية «ويل للعراقيب من النار» ، وكذلك القراءة بالنصب تنصيص على الأمر بالغسل وأنه عطف على اليد لأن العطف على المحل لا يجوز في موضع يؤدي إلى الالتباس إنما ذلك في موضع لا يؤدي إلى الاشتباه كما في البيت، والقراءة بالخفض عطف على الأيدي أيضاً وإنما صار مخفوضاً بالمجاورة كما يقال حجر ضب خرب وماءُ شن بارد أي خربٌ وباردٌ.

    (فإن قيل): الاتباع بالمجاورة مع حرف العطف لم تتكلم به العرب.

    (قلنا): لا كذلك بل جوزوا الاتباع في الفعل مع حرف العطف قال القائل. علفتها تبناً وماءً بارداً. والماء لا يعلف ولكنه اتباع للمجاورة وكذلك في الإعراب قال جرير:

    فهل أنت إن ماتت أتانك راحل

    إلى آل بسطام بن قيس فحاطب

    1...56789

  • أي فخاطب جوز الاتباع مع حرف العطف وهو الفاء.

    وأما الكعب فهو العظم الناتىء المتصل بعظم الساق وهو المفهوم في اللسان إذا قيل ضرب كعب فلان وقال عليه الصلاة والسلام «ألصقوا الكعاب بالكعاب في الصلاة» وفي قوله: {إلى الكعبين} دليل على هذا، لأن ما يوحّد من خلق الإنسان يذكر تثنيته بعبارة الجمع كما قال تعالى: {إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما} (التحريم: 4) أي قلباكما، وما كان مثنى يذكر تثنيته بعبارة التثنية فلما قال: {إلى الكعبين} عرفنا أنه مثنى في كل رجل وذلك العظم الناتىء.

    وروى هشام عن محمد رحمه الله أنه قال المفصل الذي في وسط القدم عند معقد الشراك.

    ووجهه: أن الكعب اسم للمفصل ومنه كعوب الرمح أي مفاصله والذي في وسط القدم مفصل وهو المتيقن به، وهذا سهو من هشام لم يرد محمد رحمه الله تعالى تفسير الكعب بهذا في الطهارة وإنما أراد في المحرم إذا لم يجد نعلين أنه يقطع خفيه أسفل من الكعبين وفسر الكعب بهذا، فأما في الطهارة فلا شك أنه العظم الناتيء كما فسره في الزيادات.

    فإن توضأ مثنى مثنى أجزأه، وإن توضأ مرة سابغة أجزأه وتفسير السبوغ التمام وهو: أن يمرّ الماء على كل جزءٍ من المغسولات، جاء في حديث ابن عباس رضي الله عنهما «أن النبي توضأ فغسل وجهه ثلاثاً وذراعيه مرتين» . وعبدالله بن عمر رضي الله عنهما كان كثيراً ما يتوضأ مرةً مرةً والأصل فيه ما رواه ابن عمر ـ رضي الله عنهما «أن النبي توضأ مرة مرة» وقال: «هذا وضوءٌ لا يقبل الله تعالى الصلاة إلا به» ثم توضأ مرتين مرتين وقال: «هذا وضوءٌ من يضاعف الله له الأجر مرتين» ثم توضأ ثلاثاً ثلاثاً وقال: «هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي ووضوء خليل الله إبراهيم عليه السلام» فمن زاد أو نقص فقد تعدى وظلم، أي زاد على أعضاء الوضوء أم نقص عنها أو زاد على الحد المحدود أو نقص عنه أو زاد على الثلاث معتقداً أن كمال السنة لا يحصل بالثلاث، فأما إذا زاد لطمأنينة القلب عند الشك أو بنيّةِ وضوء آخر فلا بأس به، لأن الوضوء نورٌ على نور يوم القيامة، وقد أمر بترك ما يريبه إلى ما لا يريبه. ولم يذكر الاستنجاء بالماء هنا لأن مقصوده تعليم الوضوء عند القيام من المنام وليس فيه استنجاء، ولأن الاستنجاء بالماء بعد الإنقاء بالحجر ليس من السنن الراتبة، وكان الحسن البصري رحمه الله يقول: إن هذا شيء أحدث بعد انقضاء  عصر الصحابة رضوان الله عليهم وربما قال هو طهور النساء والمذهب أنه ليس من السنن الراتبة بل لاكتساب زيادة الفضيلة، جاء في

    1...6789

  • الحديث أنه لما نزل قوله تعالى: {فيه رجال يحبون أن يتطهروا} (التوبة: 108)، قال عليه الصلاة والسلام لأهل قباء «ما هذه الطهرة التي خصصتم بها» فقالوا إنا كنا نتبع الأحجار الماء، فقال: «هو ذاك» .

    ولم يذكر فيه مسح الرقبة، وبعض مشايخنا يقول إنه ليس من أعمال الوضوء والأصح أنه مستحسن في الوضوء. قال ابن عمر رضي الله عنهما: «امسحوا رقابكم قبل أن تغل بالنار».

    ولم يذكر تحريك الخاتم ولا نزعه. وذكر أبو سليمان عن محمد رحمه الله أن نزع الخاتم في الوضوء ليس بشيء والحاصل أنه إن كان واسعاً يدخله الماءُ فلا حاجة إلى النزع والتحريك، وإن كان ضيّقاً لا يدخل الماء تحته فلا بد من تحريكه، وفي التيمم لا بد من نزعه ولو لم يفعل لا تجزئه صلاته. ثم سنن الوضوء وآدابه فرقها محمد رحمه الله تعالى في الكتاب فنذكر كل فصل في موضعه أن شاء الله تعالى تحرزاً عن التطويل.

     

    كيفية الدخول في الصلاة

     

    قال: (إذا أراد الرجلُ الدخولَ في الصلاةِ كبّر ورفع يديه حذاءَ أُذُنِيْهِ) وظن بعض أصحابنا رحمهم الله أنه لم يذكر النية وليس كما ظنوا فإنَّ إرادة الدخول في الصلاة هي النية، والنية لا بد منها لقوله عليه الصلاة والسلام: «إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أعمالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم» . وقال عليه الصلاة والسلام: «إنما الأعمال بالنيات» والنية معرفة بالقلب أيّ صلاة يصلي.

    وحكى عن الشافعي رحمه الله أنه قال مع هذا في الفرائض يحتاج إلى نية الفرض.

    وهذا بعيدٌ فإنه إذا نوى الظهر فقد نوى الفرض، فالظهر لا يكون إلا فرضاً فإن كان منفرداً أو إماماً فحاجته إلى نية ماهية الصلاة، وإن كان مقتدياً احتاج مع ذلك إلى نية الاقتداء.

    وإن نوى صلاة الإمام جاز عنهما.

    وفي رواية الحسن عن أبي حنيفة رحمهما الله يحتاج إلى نية الكعبة أيضاً.

    والصحيح أن استقباله إلى جهة الكعبة يغنيه عن نيتها.

    والأفضل أن تكون نيته مقارنة للتكبير فإن نوى قبله حين توضأ ولم يشتغل بعده بعملٍ يقطع نيته جاز عندنا وهو محفوظ عن أبي يوسف ومحمد جميعاً ولا يجوز عند الشافعي رحمه لله قال الحاجة إلى النية ليكون عمله عن عزيمة واخلاص وذلك عند الشروع فيها.

    ونحن هكذا نقول ولكن يجوز تقديم النية ويجعل ما قدم من النية إذا لم يقطعه بعمل كالقائم عند الشروع حكماً كما في الصوم. وكان محمد بن سليمان البلخي يقول إذا كان عند الشروع بحيث لو سئل أيّ صلاة يصلى أمكنه أن يجيب على البديهة من غير تفكر فهو نية كاملة تامة، والتكلم بالنية لا معتبر به فإن

     

    1...789

< سابق
التالي >